منير سلطان
62
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
وتمام الأمر وبشر أصحابه بالنصر ونزول الملائكة ، و « لو كانوا لذلك ذاكرين لم يكن عليهم من المحاربة مئونة ، وإذا لم يتكلفوا المئونة لم يؤجروا ، ولكن اللّه تعالى بنظره إليهم رفع ذلك في كثير من الحالات من أوهامهم ، ليتحملوا مشقة القتال وهم لا يعلمون أيغلبون أم يغلبون ، وأيقتلون أم يقتلون ؟ » « 1 » ويقول الجاحظ أيضا أن النبي قد صرف عن قول الشعر « 2 » . فالصرفة وجه من وجوه الأعجاز عند الجاحظ ولكن بعد أن قامت تجربة المعارضة وفشلت واعترف العرب بالعجز وشهدوا بأن القرآن معجز لنظمه . وفي جانب النظم في القرآن وقف الجاحظ بجوار القرآن مسهما في إيضاح مراميه مؤكدا إعجاز نظمه وروعته وجلاله . فقد ألف كتابا في « نظم القرآن » الذي عنه يقول الخياط « ولا يعرف في الاحتجاج لنظم القرآن وعجيب تأليفه وأنه حجة لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، على نبوته غير كتاب الجاحظ » « 3 » وفي « البيان والتبيين » يحدثنا الجاحظ كيف « خالف القرآن جميع الكلام الموزون والمنثور ، وهو منثور غير مقفّى على مخارج الأشعار والأسجاع ، وكيف صار نظمه من أعظم البرهان وتأليفه من أكبر الحجج » « 4 » . فالعرب « حين استحكمت لغتهم وشاعت البلاغة فيهم ، وكثر شعراؤهم وفاق الناس خطباؤهم ، بعثه اللّه عز وجل - فتحداهم بما كانوا لا يشكون أنهم يقدرون على أكثر منه ، فلم يقرعهم لعجزهم على نقصهم حتى تبين لضعفائهم وعوامهم كما تبين لأقويائهم وخواصهم وكان من أعجب ما أتاه اللّه مع سائر ما جاء به من الآيات وضروب البرهانات » « 5 » . فالقرآن معجز لنظمه ، واللّه تعالى قد صرف العرب عن أن يقلدوه حتى لا تتبلبل الأفكار وليست الصرفة إقلالا من شأن القرآن ، بل رحمة من اللّه تعالى
--> ( 1 ) نفس المصدر السابق والصفحة . ( 2 ) الجاحظ - البيان والتبيين 3 / 358 . ( 3 ) الخياط - الانتصار - 154 و 155 . ( 4 ) الجاحظ - البيان والتبيين - 1 / 393 ط السندوبى . ( 5 ) الجاحظ - حجج النبوة 146 والحيوان 4 / 90 ط هارون .